السيد محمد باقر الصدر

301

إقتصادنا ( تراث الشهيد الصدر ج 3 )

الآخرين ، فيهبط باجورهم إلى مستوى قد لا يحفظ لهم حياتهم ، ولا يمكّنهم حتّى من إشباع بعض ضروراتهم ، كما قد يقذف بعدد هائل منهم إلى الشارع يقاسون آلام الموت جوعاً ، لا لشيء إلّالأنّه يتمتّع بحرّية غير محدودة . ولا بأس على العمّال من الدمار والموت جوعاً ما دام الاقتصاد الرأسمالي يقدّم لهم بصيصاً من الأمل ، وكوّة من نور ، ولكن ما هو هذا الأمل الذي يبعثه في نفوسهم ؟ إنّه هو الأمل في انخفاض عددهم بسبب تراكم البؤس والمرض ، إيواللَّه إنّ هذا هو الأمل الذي يقدّمه القانون الحديدي للُاجور إلى العمّال ! قائلًا لهم : اصبروا قليلًا حتّى يصرع الجوع والبؤس قسماً كبيراً منكم ، فيقلّ عددكم ويصبح العرض مساوياً للطلب ، فترتفع أجوركم وتتحسّن حالتكم . هذا هو التوافق الأسطوري المزعوم بين الدوافع الذاتيّة في ظلّ الحرّية الرأسماليّة والمصالح العامّة . هذا التوافق الذي اضطرّ الرأسماليّون أنفسهم إلى التنازل عن الإيمان به ، والاتّجاه إلى فكرة تحديد الحرّية بالقِيَم والضمانات . وإذا كان هذا هو حظّ الحياة الاقتصاديّة في المجتمع الرأسمالي من الحرّية الرأسماليّة وآثارها فإنّ ما يصيب المحتوى الروحي للُامّة من شرارة تلك الحرّية المجرّدة أقسى وأمر ، حيث تتلاشى بصورة عامّة مشاعر البرّ والخير والإحسان ، وتطغى مفاهيم الأنانيّة والجشع ، وتسود في المجتمع روح الصراع في سبيل البقاء بدلًا عن روح التعاون والتكافل . وما ظنّك بفرد يتجاوب مع المفهوم المطلق للحرّية الرأسماليّة ، إذا تطلّبت منه القِيَم الخُلُقيّة والموقف الاجتماعي شيئاً من المفاداة والتضحية بمصالحه الخاصّة ؟ ! وحتّى إذا دفعته مصلحته الخاصّة أحياناً إلى تحقيق المصالح العامّة بوصفها في صالحه أيضاً ، فإنّ هذا وإن كان قد يؤدّي إلى نفس النتيجة التي تستهدفها القِيَم الروحيّة والخُلُقيّة من ناحية موضوعيّة ولكنّها لا تحقّق الجانب الذاتي من تلك القِيَم ، ولا تصنع من الإنسان إنساناً في